كتبت: إيمان زين العابدين
تعتبر الأساطير الفرعونية القديمة جزءا
هاما فى التراث المصري القديم, فنجدها مرسومة على جداريات المعابد الفرعونية، ولعل
من أهمها أسطورة الخلق, حيث نجد إمرأة ضخمة
يزين جسدها بالنجوم وهى"نوت" إلهة السماء وهى تحيط "جب" إله الأرض,
ومن هنا تأتى نشأة أشهر الآلهة القديمة المقدسة عند المصري القديم، وهما "إيزيس
وأزوريس" كرمز للخير, و"ست ونفتيس" كرمز للشر, فدائما لابد ان يوجد
من الآلهة من يمثل النظام ومايقابله في الجانب الآخر من يمثل الفوضى, طبقا لقوانين
"ماعت" المنظمة للحياة الفرعونية القديمة، ويصبح صراع الآلهة مادة ثرية جدا
للتناول الفني وبخاصة المسرح.
اعتمد العرض المسرحى "إيزيس"
تصميم وإعداد كريمة بدير، وبطولة فرقة فرسان الشرق للتراث المصرى، الذى عرض ضمن فعاليات
المهرجان القومى للمسرح المصرى, على أسلوب المسرح الطقسى للتواصل مع الجمهور وتجسيد
أسطورة إيزيس وأزوريس فى صورة إستعراضية متناسقة، حيث تتناول فكرة العرض جريمة قتل
الإله أزوريس على يد أخيه ست, ورحلة بحث إيزيس عن جثته وإستعادتها حيث استعانت بالطقوس
السحرية, لكى تنجب منه ابنا "الإله حورس" لينتقم لوالده ويسترد عرشه.
فمن المعروف إستخدام الطقس قديما, من أجل
حصول التماهى التام لتحقيق التواصل مع الآلهة عن طريق إستحضار حالة من الماضى, مثل
الاسطورة والتعامل معها كواقعة, حيث يتطلب من المؤدى إستثمار كامل لقدراته الخاصة الجسدية
والصوتية، فنجد التعبير الجسدى هو ميزان المسرح الطقسي الذى يقدم فعل متزن يحقق الدراما
من خلال الرقص, الذي يقوم على التمايل والتكرار، لنرى قدرة الممثل على التحكم فى جسده
وتعبيرات وجهه ومدى وعيه بأهمية ودقة كل همسة وايماءة وحركة, جنبا إلى جنب مع تناغم
الإيقاع الموسيقي لتصل الحالة الدرامية بالمعنى
المطلوب للمتفرج, ما يجعله يندمج تماما فى حالة العرض المسرحى كأنه في نفس الفضاء المسرحي
الطقسي الممثل فى المعبد الفرعوني قديما, والمسرح حديثا.
جاء الديكور بسيط, ليعطى مجالا لحركة المؤديين
فنجده يعتمد على الرموز التي تساعد المتلقي فى فك شفرات العرض, فنرى قناع أنوبيس أمام
حفرة الأوركسترا, لنستنتج انها تمثل بوابة العالم الأخر كذلك الاعتماد على اللون اللأبيض
ووجود السحب فى بداية العرض إشارة إلى العالم السماوي وبدء الخلق, ومن ثم استبدالهم
بروؤس كبيرة للآلهة الأربعة تنزل من السوفيتا لتتصدر المشهد المسرحى، وتعلن بداية الصراع,
فنرى الأداء الراقص المميز الذى استطاع أن يعبرعن علاقة الحب والتوافق بين إيزيس وأزوريس
من جهة حيث الحركات الناعمة والموسيقى الهادئة التى تشير إلى الخير والخصوبة, وأيضا
التعبير عن علاقة العنف والقسوة بين ست ونفتيس من جهة أخرى حيث الحركات السريعة المتنافرة
والموسيقى الموترة التى تشير إلى القحط و الجدوبة.
تم اختزال اللغة المنطوقة، وجعلها
قاصرة على التعليق الصوتي في بعض المشاهد المحددة, وذلك لإفساح المجال لعناصر أخرى
مثل الموسيقى والإضاءة, فنرى إستخدام الإضاءة الحمراء مع دقات الطبول معلنة عن نية
الشر بداخل ست, لتتحول لفعل درامى مرئى وهو دفنه لأزوريس فى التابوت, يليها رقصة جماعية
نسائية بالملابس السوداء طقسية بإمتياز حدادا على موت أزوريس، وتعبر عن سواد الظلام
فى الكون, لتبدأ رحلة إيزيس فى جمع أشلاء زوجها من شتى ربوع مصر بمساعدة "أنوبيس" آله الموت
حارس العالم الآخر, وقد برعت المخرجة فى التعبيرعن مشاعر إيزيس المتنوعة, فى مشاهد
درامية مكتملة العناصر, من خلال المزج بين التراث المصرى القديم والتراث المصرى الحديث,
لنجد صورة إيزيس المرأة الصعيدية المكلومة والأرملة المتفجعة الحزينة على زوجها فى
إستعراض مبهر للطقس الجنائزى, الذى يقام للمتوفى فى الصعيد والتعبير الحركى المميز
لعاداته كلطم الخدود وشق الجلباب مع عويل النساء، لينتهى المشهد بتقديم الكفن (كجزء
من أشلاء أزوريس) مع صرخة فى قمة التعبيراللغوى عن الحداد.
ويتصدر بعد ذلك المشهد المسرحى مجموعة من
الفلاحين الذين يتميزون بملابسهم وحملهم للفأس فى إشارة إلى دلتا النيل, وزراعة البذور
التى تعتبر رمزا لخصوبة أزوريس, فنجد محاولات إيزيس فى الحصول على الخصوبة من هؤلاء
الرجال تقتنصهم كالحدأة, وهنا تجدر الإشادة بالفنانة المؤدية لدور الحدأة لقدرتها على
تجسيد حركاتها المباغتة والقوية بمنتهى الخفة والرشاقة .
ومن ثم ننتقل إلى بلاد النوبة, والتى تعد
من أشهر أماكن عبادة الإلهة أيزيس, لنجد طقوس الفرح والرقصات النوبية المعروفة مع الزغاريد
والأناشيد لينتهى المشهد بلقاء إيزيس مع زوجها, ويختتم بوجود رضيع على المسرح كإشارة
لولادة الإله حورس, وقد كانت الملابس معبرة
عن الفلكلور النوبى والموسيقى أيضا .
ومن الحالة الدرامية الحزينة لإيزيس الصعيدية وإيزيس
طائر الحدأة صاحبة الإرادة القوية, والحالة المفرحة المبهجة لإيزيس الأم, يختتم العرض
المسرحى بايزيس المجنحة, حيث ضمنت وجود ابن وريث شرعى لزوجها ينتقم لموته, فنجدها تتصدر
منتصف المسرح وهى تلبس الملابس الرسمية وعلى رأسها تاجها المميز, بينما فى عمق المسرح
نجد قرص الشمس رمز الإله "رع", ويقف فى المنتصف مجموعة من الراقصين بالرداء
الأسود يحملون في اليد اليمنى عين حورس وفى اليد اليسرى الخشخيشة، مع موسيقى جنائزية
تعبيرا عن ترتيل الابن للشعائرالجنائزية الفرعونية رثاء لأبيه, ومن ثم مشهد المحكمة
الأسطورية وكأنها نقلت تماما من برديات الفراعنة القدماء إلى صورة مرئية مبهرة على خشبة المسرح, التى انتهت بتقليد حورس
ملكا على مصر وتتويج أزوريس نفسه ملكا على عالم الموتى.
ويمكن أن نخلص القول في أن المصممة والمخرجة كريمة بدير، قدمت لنا أسطورة "إيزيس" فى سهرة درامية إستعراضية مميزة, كان بطلها الأداء الراقص المتقن والمعبر كلغة حركية بديلا عن اللغة المنطوقة، جنبا إلى جنب مع الإستغلال الأمثل لتقنيات المسرحية الأخرى كالموسيقى والإضاءة والملابس, وهو ما يثقل دراما العرض ويخدمها ويمتع المتلقي، ويجمع بين تراث الأساطير الفرعونية القديمة والتراث الفلكلورى الحديث.