سالب واحد كيف يصنع الفن وعي الإنسان


 

كتبت : منى علي

قضية حية تعيشها الكثير من الأسر، ويتماس معها أفراد المجتمع ككل في بعض الأوقات، ألا وهي قضية الأبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي كانت القضية التي تناولها العرض المسرحي سالب واحد، الذي شارك في الدورة الرابعة عشر من المهرجان القومي للمسرح المصري.

يناقش العرض رد فعل الأب والأم حين معرفة أنهما رزقا بطفل يعاني من بعض المشكلات المرضية التي ستعقيه في المستقبل عن الحركة والكلام، وستحط من قدراته الذهنية، فيتبادلا الاتهامات من منهما السبب وراء ذلك هل جينات الأب أم الأم، وينشأ صراع لا ينتهي طوال فترة العرض أو بالأحرى طوال الحياة، فبدل البحث عن حلول أو تهيئة الأجواء لهذا الطفل الذي خُلق مختلفاً يجري تبادل الاتهامات وبدلا من الاهتمام بالطفل وتلبية احتياجاته النفسية والمادية، يكون إخفاءه بالمنزل كي لا يراه الجيران، ويتم حرمان الطفل من مخالطة أطفال آخرين يلعب معهم أو يمزحون معه، مخافة من أن ينتشر الخبر ويتم وصم الأب والأم بأنهما انجبا طفل (معاق).

جاء الأداء التمثيلي لأحمد عباس، الممثل الذي أدي دور الطفل ذو الاحتياجات الخاصة متميزا للغاية فأداء الدور كان يحتاج مجهودا جبارا اذ يؤدي الممثل حركة روتينية طوال العرض ولا ينطق سوى جملة واحدة "هنروح فين يا بابا".

وكذلك جاء أداء عبد الرحمن محسن، جوكر العرض الذي أدي أدور متعددة، فهو المدرس المحتال الذي جاء به الأب ليعلم الطفل بالمنزل ولكنه لا يكترث بمشاعر الطفل ولا يراعي كونه مختلف، بل ينعت الطفل بأنه سالب واحد أي لا يساوي شيء على الاطلاق ويفشل المدرس في مهمته، وكذلك يؤدي دور دكتور غير متمكن من مهنته يفشل في وصف علاج للطفل، ودور الكاهن الذي جاء به الأب لابنه ولكنه يكون أقرب للدجالين والمشعوذين ويستنزف أموال الأب والأم ويجعلهما يقوما بتعذيب الطفل وربطه بالحبال لإجباره على الوقوف حتى كاد الطفل أن يفقد حياته، ولكن وعلى الرغم من حساسية القضية فأن عبد الرحمن محسن، يؤدي تلك الأدوار بشكل كوميدي لا يخل بأهمية القضية بل بشكل يخفف من وطأة العبء النفسي  بعض الشيء عن المتلقي، وتنذر موهبة عبد الرحمن محسن عن صعود موهبة كوميدية قوية.

وعلى الجانب الآخر كان أداء سالي سعيد دور الأم، ومصطفى رشدي دور الأب،  اداء باهت لم يكن ملفتا، ودور الراوية الذي لعبته يارا المليجي كذلك، ولم يكن لدور الراوية أهمية بالأحداث ولم يعرف المتلقي سبب وجود راوية بالعرض تقطع سيرورة الحدث المسرحي أكثر من مرة لتحكي ما يدور من مشاعر داخل الشخصيات، وهو ما يجب أن تشعرنا به الشخصيات ذاتها في تعبيراتها وانفعالاتها، وحين قامت الراوية في مشهد النهاية بتقمص دور الابن والقيام بنفس الأداء الحركي له وطريقته في نطق الكلمات أحدث ذلك حالة من التشتت لدى المتلقي ولم يكن مفهوما السبب وراء ذلك، وأيضا حسام حافظ ، الذي أدى دور الدكتور لم تكن مخارج ألفاظه واضحه فلم يسمع المتلقي ما يقوله بشكل جلي، والتي تعد إخدى نقاط الضعف المؤثرة للممثل المسرحي،  فلم يكن المخرج عبد الله صابر موفقا في اختيار أغلب شخصياته في العرض.

وخلطت أزياء نوران الشيمي، ما بين الملابس الحديثة والتاريخية شبه العسكرية، فكانت ملابس شخصيات العرض مناسبة للحدث والزمكان المسرحي، باستثناء ملابس الأب والأم فكانت ملابس شبه عسكرية فالأب يرتدي بدلة تشبه أزياء الجنرالات القديمة ذات الأزرار الكثيرة الذهبية، والأم ترتدي فستانا يماثل تلك البدلة وبه نفس الأزرار، بينما ارتدت الراوية فستانا يشبه فساتين أميرات ديزني ووضعت تاجا صغيرا على رأسهان ولم يكن واضحا للملتقي الهدف من وراء ذلك الخلط.

ولم يحالف الحظ عنصر الديكور لعبد الرحمن خالد، في العرض، إذ كانت قطع الديكور متزاحمة على الخشبة، وكانت الكثير منها غير مستخدم، ولم تكن الأفرع الضوئية السميكة التي امتلأ بها الديكور ذات أهمية، ولم تمثل شكل جمالي، بل خلق ذلك الأمر احساس بالتشتت البصري والضغط لدى الملقي.

تعد اضاءة ياسمين هاني، من العناصر الجيدة بالعرض، والتي نجحت في مساعدة الشخصيات على التعبير عن مشاعرها وخاصة من خلال تسليط البؤر الضوئية، ففي المشاهد التي كانت تعبر فيها كل من شخصية الأم والأب عن معاناتها جراء وجود طفل من ذوي القدرات الخاصة بالأسرة، مثل حين كانت تناجي الأم ربها كي يرفع تلك المعاناة عن كاهلها ويشفي الطفل فيصير يتحدث ويمشي ويصبح دكتور أو مهندس في المستقبل، بينما كان الأب يشرب الخمر ويلعن حظه الذي جعله يرزق بطفل يحتاج للعناية طوال العمر وهو من كان يريد انجاب طفل كي يرعاه هو حين الكبر.

الاداء الحركي لـ مي رزيق، كان متميزا ونجحت في تدريب أحمد عباس على إتقان الأداء الحركي لشخصية الطفل ذو القدرات الخاصة.

وكانت الموسيقى لأحمد حسني، عنصرا مميزا للغاية داخل العرض، وتكاملت معها أشعار عبد الله صابر، وغناء أحمد حسني ونادين عامر، فجاءت الموسيقى والأشعار معبرة عن الأحداث ومحركة لها.

عرض سالب واحد، وإن ظهرت بعض عناصره بمستوى غير جيد، إلا أن الفكرة التي يناقشها المؤلف محمد عادل، تغفر أي نقص للعرض، فطرح قضية هامة وشائكة كالتي يطرحها العرض عن كيفية التعامل مع الأبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة و كيفية مراعاة مشاعرهم وتفهم احتياجاتهم وضرورة دمجهم بالمجتمع ومشاركتهم للأطفال الآخرين في التعلم وفي اللعب؛ وعدم اعتبار وجودهم لعنة أو عقاب على ذنب ارتكبته الأسرة، هو ما نحتاجه اليوم في ظل واقعنا الذي ابتعد فيه الفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص عن ملامسة الواقع، واتجه لمعالجة قضايا سطحية وانتشرت العروض التجارية التي تقدم كوميديا رخيصة مبتذلة، فنحن في حاجه ماسة لأعمال فنية مماثلة لفكرة عرض سالب واحد، تتناول قضايا حياتية اجتماعية لصناعة وعي مجتمعي، فصناعة الوعي هى أحد أدوار الفن وبخاصة في البلاد التي تنتشر بها الأمية كبلدنا، فنسبة كبيرة لا تستطيع القراءة كي تلم بقضية ما وتستطيع أن تصنع وعيا خاص بتلك القضية ولكن تستطيع مشاهدة عرض سينمائي أو مسرحي يحمل في طياته قضية اجتماعية يناقشها ويطرح كيفية التعامل الإنساني معها.