"جنة هنا" معركة تمثيلية شرسة يحكمها التناغم وصراع الماضي والحاضر


 

كتبت: آية الكحلاوي

جنة مفقودة تبحث عنها امرأتان، وأثناء العرض نكتشف أنها "نار هنا" تلك الإبنة التي قضت عليها التقاليد، فنحن بصدد رحلة امرأة تعاني من مشكلات فرضتها عليها التقاليد، التي قضت على كائن كان من الممكن أن ينتج ويفكر وينفع، قضت على جنة وقضت على هنا وقضت على كل امرأة.

 " جنة هنا" تلك كانت عتبة العرض المضللة التي خدعت المتفرج، وظن أنه سيرى السعادة في جنة الهنا، ولكنه اصطدم بالواقع المرير، وكان من الأفضل أن يكون "هَنا جنة" أو "جنة، هنا" ليفهم الجمهور أنه سيدخل عرض يقدم شخصيتين بهذه الأسماء، راصدا أحلامهما وتحدياتهما، ولن يرى أي جنة على الإطلاق.

ضج مسرح الطليعة، وتحديداً قاعة ذكي طليمات، بآهات النساء المسلوبة حقوقهن في عرض "جنة هنا"، وإخراج محمد صابر، أحد عروض البيت الفني للمسرح، ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح في دورته ال14، والمسماة بدورة الكاتب المصري.

ديودراما نسائية من تأليف صفاء البيلي، والتي كانت تحمل اسم "السرير"، ولكن تم تغييره لـ "جنة هنا" لأن الاسم الاول قد يحمل إيحاءات غير مناسبة بعيدة عن محتوى العرض.

عرض شامل يتناول مشكلة غياب رب الأسرة "الأب" ومن ثم التعرض لقضايا المرأة المختلفة من تأخر الزواج والانجاب، وختام الإناث، والتحرش، كل هذا دون أن تفقد المسرحية نسيجها المتماسك.

بدأ الصراع منذ اللحظة الأولى، كاشفا لجوانب الشخصيات، فهنا الأم التي تمسك "المنفضة" وتنظف المكان وخاصة السرير، مقابل الإبنة جنة، في الجهة المقابلة التي يظهر عليها التحدي، ولا تهتم سوى بالنظر لمرأتها والتقليب في كتبها الخاصة، لنجد تيارين مختلفين تماما يتواجهان، القديم المتمثل في نمط المرأة التي ينحصر دورها في التنظيف والطبخ والحفاظ على الموروث، والجديد الذي له اهتمامات أخرى كالتعليم والعمل والقراءة والاهتمام بالمظهر، ضاربا بالتقاليد عرض الحائط، ثم يستطرد الصراع بين الأم وابنتها والمتمثل في السرير والذي يحمل رموزا عدة أبرزها أنه يمثل التقاليد البالية والموروثات، فالابنة جنة تحاول وتسعى للتخلص من هذا السرير طوال المسرحية، بينما تصر الام على الاحتفاظ به، لأنها؛ ورثته عن أمها، وأمها ورثته عن جدتها وهكذا دواليك.

ويتصاعد الايقاع لنلمس الصراع النفسي داخل جنة، التي تبدو قاسية من الخارج على والدها الذي تركها وتغرب، ولكنها؛ في الحقيقة تنتظره وتتمنى عودته ليحضنها ولو لمرة واحدة، ومن خلال هذه المشكلة تشرح هنا معاناتها التي عاشتها، فقد قررت الزواج مبكرا لتعويض الأب من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنها؛ تخشى تأخر الزواج وما يشكله المجتمع من ضغوط في هذا الشأن، ولا نكتشف أنها مطلقة سوى في المنتصف عندما تعرض اكبر أزمة لها بالنسبة للسرير، فهو المكان الذي وثقتها فيه والدتها للختان، مما أدى لبرودتها الجنسية والتي كانت سببا مباشرا في طلاقها، وهنا نصدم بحقيقة تسلط المرأة على المرأة، فلم يختنها سوى السيدة الداية، بالاتفاق مع السيدة الأم، ثم بعد مواجهة رائعة نكتشف أن الأب لم يكن مغتربا بل ميتا من الاساس، وإنما أخفت الام على ابنتها ذلك بحجة أن لا تتكسر وان المجتمع لا يقبل أن تعيش أرملة مع ابنتها بمفردهما، وتنطق الام كلماتها الأخيرة وترقد على سريرها محل موروثاتها وذكرياتها وتستسلم للموت، والتي تكتشفه هنا لاحقا في لحظة درامية ونجد أن الدائرة قد دارت وهنا التي رفضت السرير يوما ما قبلته في النهاية، وقد وضعته في صدر المسرح في سيمترية شديدة بين صورة ابيها وامها، وارتدت شال امها للدلالة على ما ورثته من الأم وهو ما كانت ترفضه منذ البداية.

قدم العرض مشكلات وصراعا بين الخرافة والمنطق والماضي والحاضر ولكنه لم يطرح أي حلول.

ميز العرض الجمل الحوارية القوية والمميزة، التي تدل على الخبرة الحياتية المتعمقة للكاتبة صفاء البيلي، ورغم اعتماد العرض على المونولوجات والديالوجات الطويلة، إلا أن تنوعها والانتقال خلالها من نقطة إلى أخرى أدى لتنوع الايقاع، وعمّق هذا الحوار صراع الأفكار المشتعل بين البطلتين، وجاء مناسبا لكلا الشخصيتين، فهنا الأم ذات اللغة البسيطة والتي تكثر من الأمثال الشعبية، وجنة المتعلمة أستاذة الفلسفة وحوارها المميز المعبر عنها.

ولعل ما كسر الملل الذي ينتج من العروض التي تعتمد على الحوار، هو الأغاني والاستعراضات المميزة للعرض، فالأغاني التي كتبها مسعود شومان، ولحنها احمد الناصر، بصوت عذب وملائكي الفنانة سلمى هشام، ظهرت وكأنها جزء من نسيج العرض لا شيء مقحم، وخففت من التوتر وتراجيديا العرض، بينما الاستعراضات والتعبير الحركي لحسن شحاتة، جاءت مميزة كثيرا ومتناغمة وهادئة ومرتبة دون مبالغة في الحركة أو الأداء، وأحيانا كانت تدور على خشبة المسرح واحيانا اخرى من وراء ستارة "خيال الظل" وهي حيلة مميزة من مخرج العرض أضافت جوا سحريا جميلا، تناسقت هذه العناصر مع الإضاءة التي جاءت معبرة عن الحالة الشعورية للشخصيات، فهي إما صفراء معبرة عن الحنين والذكريات وإما زرقاء معبرة عن الغربة وبرودة المشاعر.

جاءت ملابس مي زهدي، ناعمة مطعمة بالدانتيل كخامات أنثوية، معتمدة على الابيض والأسود لتبرز التضاد، واشتركت الام والابنة بنفس الملابس لتدل على التقائهم عند نقطة معينة رغم اختلاف الأفكار، وهي أنهم سجناء رجل واحد، واختارت مي الديكور واقعيا ورمزيا معا، معبرا عن القضية، حيث السرير والذي يعتبر بؤرة الصراع والمقتنيات القديمة التي تخص الام والتسريحة الخاصة بها في ناحية، بينما في الجانب الآخر تسريحة البنت الحديثة ومرآتها ومكتبتها الصغيرة، فالديكور ساعد على إبراز هذا التضاد، ولعل المكياج أيضا أكد على ذلك، فبينما الام لا تضع مكياجا، جاء مكياج البنت حادا معبرا عن شخصيتها.

المعركة التمثيلية الدائرة بين البطلتين عبير الطوخي في دور الأم، وهالة سرور في دور الابنة، أخرجت طاقات تمثيلية رهيبة عند البطلتين، اللتان عبرتا عن الحزن والفرح والحنين والكره والماضي والحاضر واليأس والأمل والقوة والضعف.

عرض "جنة هنا" قال اشياء كثيرة في المضمون والشكل، إنما كلمته الأخيرة قالت أن هناك مخرج مميز للعرض، متمكن جيدا من أدواته، استطاع ببساطة أن يعبر عن فكرته دون بهرجة الالوان أو المبالغة في العناصر المختلفة.