"وفاة بائع متجول".. لوحة منضبطة فنياً للإنسان المستعبد فى عصر الثقافة الاستهلاكية



كتبت: إيمان زين العابدين

تعد مسرحية "وفاة بائع متجول" للكاتب الأمريكى المعاصر أرثر ميلر، نص درامي متكامل  يحوى العديد من القضايا المتشابكة الهامة، التى فرضت نفسها فى العصرالحديث، كالصراع بين الأباء والأبناء، ومفهوم الحياة عند الإنسان فى ظل التغييرات الإقتصادية، والثقافة الإستهلاكية السائدة وماتخلفه من مشكلات إجتماعية وتأثيرات نفسية جسيمة، تؤدي إلى تفكك البناءالأسري وتدمر العلاقة بين الأب وإبنه، فنرى شخصية البطل الذى تقوم فلسفته فى الحياة على أن الإنسان لابد أن يكون مؤثرا ومحبوبا فقط، فكم من الجميل أن يحبك الناس ويتذكروك عند موتك ويشارك الكثير فى تشييع جنازتك!.

ومن هذه الصورة المزيفة التى حفرت فى وجدان( ويلى لومان) يجد نفسه بعد ثلاثين عاما من عمله فى مجال المبيعات فقيرا معدما، مطرودا من عمله، فاشلا فى تحقيق متطلبات أسرته، مما يشكل صدمة نفسية كبيرة له تدخله فى حالة من الهذيان و أحلام اليقظة على الفرص الضائعة والقرارت الخاطئة على ما فات فى حياته.

وتظهر لنا من خلال الخطوط الدرامية المتدخلة التي تجمع البطل وترصد علاقته مع من حوله خاصة زوجته وابنه وأخيه, فنجد فى عرض "وفاة بائع متجول" والذي يشارك في فعاليات الدورة الرابعة عشر، للمهرجان القومى للمسرح، ضمن عروض المسرح المستقل، إنتاج فرقة طيبة المسرحية، إعداد وإخراج سعيد مدكور.

تتضح براعة المخرج سعيد مدكور، فى تقديم النص المسرحى فى بنية فنية محكمة، تلقي الضوء على محورين أساسيين من واقعنا المعاصر, المحور الأول هو علاقة الإنسان بنفسه, لتكشف لنا حال الإنسان عندما يصل إلى ذروة مرضه النفسى ويفقد ثقته فى أفكاره وفلسفته فى الحياة، والثانى هو علاقة الأباء بالأبناء وفقدان التواصل بينهما ومايترتب عليه من تفكك أسرى.

وقد عُرض من خلال المزج بين الزمن الآنى والماضى، عن طريق إستحضار اللحظات الماضية فى الوقت الحاضر تبعا للموقف الدرامى الذى يعيشه البطل، ليكشف لنا عمق هذة الشخصية، ويحسب للمخرج انه استطاع ان ينقلنا بسلاسة بين عالمي ويلى الواقعى والخيالى، بدقة شديدة دون حدوث خلل أو إرباك للمتفرج، فنجده كشف لنا كيف يرى ويلى لومان، نفسه من خلال حواره مع صديقه تشارلى، فى الواقع الذى كان يتسم بالسخرية منه، لأنه رجل ناجح فى نفس عمره ومهنته دائما ما يشعره بالحسرة على حاله، ولكنه يهذى فى نفس الوقت مع أخيه بين، الذى  يمكن أن يمثل ضميره ويفضح ما في نفسه من حقد وتكبر.

وأيضا حديثه مع زوجته فى الوقت الحاضر ولكنه يستحضر موقفه مع مرأة أخرى لنرى مدى سعادته كون هذة المرأة إختارته هو دون الأخرين، فهذا يكشف لنا شعورة بالدونية تجاه نفسه كإنسان.

ومن ثم نجد علاقة الأب بالابن وكيف يرى كل منهما الآخر، فنجد اولا صدمة الأبن فى أبيه عند إكتشافه انه يخون والدته وهو طفل صغير، ممايترتب عليه فقدان الثقة فى الأب و فقدان الثقة فى القيم والأفكارالتى يعلمها له، فتصبح لديه رغبة فى التحررمن كل ما يريد الأب، فنجد الأبن يعمل مزراعا ويرفض تماما أن يكون مثل والده بائع متجول، كذلك صدمة الاب فى الابن أيضا كونه فشل فى تحقيق الحلم الذى يريده الاب، مما أدى إلى  فتور العلاقة بينهم .

لتكشف لنا هذه العلاقات عن الخلل النفسي، الذى أصاب البطل كنتيجة للماضي المليء بالآمال التى لم تحقق والواقع البائس الذى لم يتغير، وإنه مجرد إنسان مستعبد فى ظل الثقافة الإستهلاكية السائدة، وأن موته الآن اصبح له قيمة أكثرمن وجوده فى الحياة، لكى يترك لأسرته ما يعينهم على صعوبات الحياة ويعطى إبنه أملا جديدا ويكسب إحترامه مجددا.

وقد ظهر ذلك من خلال الأداء التمثيلى المميز لمحمد عبدالله، فى دور الأب، ومصطفى خطاب، فى دور الأبن، حيث نجد التنوع فى الأداء الحركى والصوتى، فنجد الأبن عند حديثه مع والده لاينظر إليه مباشرة بل يكون مشتت الحركة كتعبير واضح لعدم الرغبة فى المواجهة، كذلك نجد الأب يتحدث مع الأبن بإنفعال ويقلل من شأنه تعبيرا عن رفضه لحاله.

ساهم الديكور من تنفيذ نورعبد الله، في تكملة الصورة المسرحية لنجد فى عمق المسرح ديكور للمنزل، يظهر على عدة مستويات فى الأعلى غرفة الابن، وعلى الجانب غرفة الوالد, للتأكيد على حالة النفور بينهما وشجارهما الدائم فى الواقع، ويتوسطهما المطبخ حيث يشهد أهم الأحداث، بينما فى مقدمة المسرح يوجد جذع شجرة وكرسى فقط, لتعطى مساحة مناسبة لتخيلات ويلى عندما يستحضرموقفا من الماضى، فنرى عكس هذا النفور فى  المشاهد الآنية يظهر لنا مدى سعادة الأب بإبنه فيكونا متقاربين إشارة إلى حميمية العلاقة بينهما وإرتباطهما ببعض فى الماضى، ونجد ويلى مع ابنه وهو يدربه ويشجعه على ممارسة كرة القدم الأمريكية لكى يكون محبوب بين الناس.

 

وقد لعبت إضاءة  محمود الحسينى، دورا هاما فى تشكيل المنظر المسرحى واالتعبيرعن الأبعاد النفسية للشخصيات والمشاهد, لنجد فى مشهد المواجهة بين الأب وابنه الإضاءة الحمراء هى المسيطرة إشارة إلى تصاعد الحدث إلى ذروته، فنجد الأبن يواجه ابيه ويخبره بأنه لايعرف شيئا عنه أوعن حياته أوماذا يريد!وأنهم مجرد أناس عاديون جدا. ويجب على أبيه أن يستفيق من الأوهام التى يعيش داخلها، بينما يرفض الأب ذلك ويرى أن الأبن يحتقره ونجد شخصية ليندا الأم تحاول دائما أن تكون جسرا بين الأب وإبنه لتحسين علاقتهما ولكنها تفشل فى ذلك .

وفق المخرج فى تطويع التقنيات المسرحية ليمتع المتلقي بلوحة درامية مميزة متكاملة العناصر الفنية، فنجد المكياج المميز لنادين أشرف، وملابس هاجر كمال، والموسيقى المعبرة لعمروعفيفى، يتضافر مع الأداء المتقن للمثلين جميعا, بالإضافة إلى الإعداد المسرحى وتكثيف الأحداث الدرامية من خلال الإعتماد على الشخصيات الرئيسية فقط، للتركيز على علاقة الأب بابنه الكبير بيف الذى يرى فيه حلمه الضائع، ونجد أيضا استخدامه المميز للرموز المسرحية منها السماعة، كبديلا عن حضور المدير الشاب هاوراد، ليدل على مدى تعالي هذه الشخصية، وفى مشهد النهاية الوردة  الحمراء والقبعة وإلقائهم فى مقدمة المسرح كإشارة إلى وفاة البطل.

بمكن أن نخلص القول في أن عرض " وفاة بائع متجول "، عرض تميز بوعي إخراجي وطاقات تمثيلية، وعناصر مسرحية، ساهمت لظهور لوحة مسرحية منضبطة فنياً.