آه كارميلا .... تجسيد لمعاناة الإنسان في ظل الحروب

 


كتبت : رانا أبو العلا

عانت اسبانيا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر من حرب عُرفت باسم الحرب الأهلية الاسبانية، فعلى مدار ثلاث سنوات عجاف قضاهم الشعب الاسباني في انهيار كامل في المجتمع وبالتبعية أدى هذا إلى دمار الشعب الاسباني لعدم بالأمان، ولا شك ان تأثير الحروب السلبية على الفرد والمجتمع واحده مهما اختلف الزمان والمكان فهي مآسي عابرة لحدود الأزمنة والأمكنة ومهما اختلف الشعوب اختلفت ثقافتهم، تبقى ويلات الحروب واحده، وإذا تتبعنا حركة الكتابة الأدبية ولا سيما المسرحية على مدر التاريخ العالمي والعربي سنجد ان كثير من الكتاب تطرقوا لفكرة الحرب وطرح المآسي الذي يتعرض لها الانسان في ظل الحقبة التي تعيشها الدول في الحروب والنزاعات على الأرض والحكم وما إلى ذلك، ومن بينهم يأتي نص آي كارميلا، الذي طرح الكاتب الإسباني خوسيه سانشيز سينسترا، من خلاله آثر الحرب الأهلية على الشعب الاسباني، وما أحدثته من خلل في المجتمع وداخل الفرد.

في إطار فعاليات الدورة الرابعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري "دوره الكاتب المصري"، قدمت الهيئة العامة لقصور الثقافة، ديودراما آه كارميلا، المأخوذ عن نص خوسيه، من اعداد واخراج اشرف علي، تدور دراما العرض حول كارميلا وباولينو، وهما زوجان يعملان في الفن ينتقلون بعربتهم في المدن المختلفة لتقديم عروضهم الفنية، وفي تلك الأثناء نتطرق إلى ما احدثته الحرب من تأثير سلبي على انفسهم وكيف دُمر المجتمع وكيف عانى الكُتاب كـ الكاتب لوركا الذي قُتل على يد قوات الاحتلال وكذلك ما احدثته الحرب من خراب وتدمير لبيوتهم وشعورهم بعدم الآمان أثناء الحرب في ظل تدميرهم وتدمير اسرهم، وكذلك خضوعهم لقيود الاحتلال وكبت حرياتهم وتنفيذ رغباتهم لتسليتهم وان كان هذا على حساب مبادئهم.

نجد اننا بصدد دراما أفصحت عن طبيعة الزمان والمكان الذي تدور في الأحداث منذ اللحظة الأولى، فنحن على قارعة الطريق بأحدى شوارع اسبانيا، وبفترة مازلت بها نيران الحرب الأهلية بـ اسبانيا مشتعلة، ومن ثم انطلقت دراما العرض المسرحي التي كشفت عن ما حدث لهؤلاء الفنانين الراحلين أثناء الحرب وكيف تأثروا سلبيا من ويلات الحروب والنزاعات التي عاشتها اسبانيا آنذاك، وعلى الرغم من الانتقالات بين المشاهد والتطرق لأحداث مختلفة تتشابك بشكل او بأخر مع تيمة العرض الرئيسية إلا ان سقطه العرض الأولى دراميا كانت افتقار العرض لعنصر التكثيف، فقد بات المتلقي ينتظر ان ينتهي العرض بأكثر من مشهد عكس له شعور بانتهاء العرض، لكنه لم يحدث ويستمر ببداية مشهد أخر، ولولا قدرة الممثلان محمد فريد، المؤدي لدور باولينو، وماريا اسامة المؤدية لدور كارميلا، ومهارتهم وأدائهم المحترف حيث تمكن الاثنان من الانتقال بين الشخصيات المختلفة وتلوين الصوت والانتقال بين الطبقات المختلفة بحسب طبيعة الشخصية التي يؤديها كلا منهم، وكذلك تمكنهم من الأداء الحركي بصورة محترفة، لشعر المتلقي بالملل، فقد كان الأداء التمثيلي ركيزة عرض آه كارميلا، والسبب الرئيسي في ان يخرج العرض بصورة منضبطة إلى حد كبير، فقد بدا لمتلقي العرض المجهود المبذول في تدريب الممثلين، بالإضافة إلى قدرتهم حيث برع كلا منهم في تحقيق أكثر من نقلة بالمشهد الواحد خاصة بالمشاهد التي استخدموا بها الدمى، حيث برعوا في تحريكها والتعامل مع الجمهور المشارك في الأحدث بدقة وبحرفية دون الشتات عن الأحداث، وتغير طبقات أصواتهم بحسب طبيعة المشهد كما ذكرنا سابقا، وأيضاً قدرتهم على أداء الرقصات الاسبانية بحرفيه عالية والتي ساهم الكيوجراف محمد عبد الصبور في ان تبدو على هذا النحو، من الدقة والمهارة.

وقد جاءت إضاءة أحمد طارق، المتميزة في خلق دلالات تتفق مع المشهد الذي يؤدى على خشبة المسرح والانتقالات بين تنويعات الاضاءة بحرفيه جعلت من إضاءة المسرح صورة ديناميكة تتلون بحسب المشهد، أما موسيقى معتز مجدي، والتي اعتمدت على الموسيقى الشعبية الاسبانية، لتتوافق مع طبيعة مكان الحدث وزمنه فقد ساهمت في تشكيل حالة العرض وخلق روح تلائم تيمة العرض المطروحة على خشبة المسرح، وجاءت ملابس واكسسوارات دنيا عزيز، لتسهم في خلق روح الاسبانية التي يدور في فلكها العرض.

ومن ثم فيمكننا أن نتفق الآن على أن المتلقي المصري بعيد كليا عن طبيعة العرض وزمنه ومكانه، فهو متلقي سافر عبر الزمان والمكان ليرى ما حدث بالشعب في ظل تلك الحقبة في أجواء اسبانية فحسب، فلماذا يتم الزج بالمتلقي المصري داخل الفعل دون الحاجة إلى ذلك فهو ليس جزءا من الحدث أو يحيا به، أو حتى عانى منه ليصبح أحد أطراف النزاع أو يتأثر به، وإذا اعتبرنا انه كارميلا وباولينو رمز لكافة مآسي الحروب، وأن التأثيرات السلبية للحروب واحدة مهما اختلف الزمان والمكان، فيبقى السؤال دون اجابة ما الحاجة في أن يشارك في الفعل، لم يكن هذا السؤال الوحيد الذي تركه صناع عرض آه كارميلا بذهن المتلقي دون اجابة، فحين تشاهد العرض المغلف بتلك الأجواء الإسبانية وإذا كنت من متاعبي الحركة المسرحية وتحديدا النصوص التي تؤخذ عن نصوص أجنبية، فيمكنك أن تلاحظ كيف أنه صار عرفا أو تقليد شائع أن تقدم أغلب تلك العروض باللغة العربية الفصحى للمتلقي العربي الذي يعي جيدا وهو يشاهد أيا من تلك العروض انه تجسيد لبلد معينة تدور بها الأحداث، سواء من خلال الكشف عن أسماء الدول التي تدور فيها الأحداث ببعض العروض أو حتى من خلال الصورة المسرحية التي تحيلنا إلى حقبة وزمن ومكان بعينه وما إلى ذلك، وطالما خلق روح اسبانية على خشبة المسرح من خلال توظيف كافة عناصر السينوغرافيا لتحيلنا إلى الحقبة التي تدور فيها الأحداث، فما كانت الحاجة إلى ان يتم استخدام بعض الكلمات والجمل الاسبانية ضمن الحوار الدرامي الذي يؤدى باللغة العربية الفصحى، فقد جاء هذا كـ استعراض لغوي بدرايتهم باللغة الاسبانية دون مبرر منطقي لهذا الفعل.



وتكمن مشكلة العرض الكبرى في تصميم وتنفيذ ديكور العرض، رغم ما يحمله من جماليات في خلق صورة بصرية تلائم أحداث العرض وطبيعته إلى أن دنيا عزيز، مصممه الديكور وكلا من أحمد جابر، ومصطفى العطار ومحمد منصور، منفذي الديكور، اخفقوا في تنفيذ ديكور يتفق مع طبيعة الخشبة وصالة العرض، فقد دارت الأحداث داخل وأمام العربة التي صُممت لتتوسط خشبة المسرح، ولكن لضيق مساحتها واغلاق جوانب العربة فقد أدى هذا إلى أن يمنع المتلقي الذي جلس على جانبي المسرح – يمينا ويسارا – من متابعة الأداء التمثيلي وما يحدث من مشاهد داخل العربة، فلم يتمكن المتلقي من ان يشاهد العرض كله بتفاصيله دون ان يفوته شيئا إلا من جلس بوسط المسرح فقط من تابع الحدث كاملا، وهو ما اثر سلبيا على متابعة أحداث العرض بشكل كامل للجالسين جانبي المسرح وكذلك لم تكتمل صورة الديكور لعدم مشاهدته للقطع الاكسسوار والديكور الموضوعة بجانبي العربة بالداخل.