إيمان زين العابدين
صورة موجعة لمأساة فنان موهوب هزمه الزمن، وأصبح طي النسيان، كالبجعة التى
تغرد للمرة الأخيرة، هكذا قدمت لنا مونودراما فريدة، على خشبة مسرح الطليعة، ضمن فعاليات
المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الرابعة عشر، وهو من إنتاج البيت الفنى للمسرح.
مسرحية "فريدة" كتابة وإخراج مصطفى أكرم، مأخوذة عن "أنشودة
البجعة" لتشيخوف, والبجعة طبقا للأساطير القديمة ترمز إلى القوة، وترمز أيضا إلى
الحياة والموت، وعندما تغنى البجعة وتنشد يعنى هذا انها تشرف على الموت، وكذلك تتشارك
فريدة الممثلة العجوز هذه الصفات مع البجعة.
تعد المسرحية بمثابة مونولوج منذ البداية
وحتى النهاية, نرى فيها صورة كاملة لحياة فنانة سابقة تدعى فريدة, إمرأة عجوز تترجى
المخرج للسماح لها بحضور بروفة على خشبة المسرح, وهى تقف فى الكواليس بعد خروج الممثلين
جميعهم, تصعد خلسة على خشبة المسرح، المعتمة و تنير الكشافات، ثم تبدأ في سرد قصة حياتها
التي قضتها على خشبة المسرح، وتقديمها للعديد من الأدوار الصعبة والمركبة فى أيام شبابها,
و حصد إعجاب الجمهور الشديد, الذى كان ينهال عليها بالورود والتصفيق الحاد, بل وأيضا
جوابات المعجبين التى لم تستطع قرأتها آنذاك, لكثرة إنشغالها بأعمالها الفنية، فتأخذنا
معها في رحلة إلى ماضيها، وتقدم لنا إعترافا حقيقيا لما يجيش فى نفسها من شعور بالوحدة
والأسى على ما أصبح عليه حالها الآن.
قدم المخرج أكرم مصطفى، فريدة في منتهى الضعف الجسماني والإنهيارالنفسي،
ولكنها حين تستعيد ذكرياتها تكون في منتهى النشاط والخفة, فالمسرح بالنسبة لها أو للفنان
الحقيقي عامة هو الجنة التى يجد نفسه فيها صبيا شابا مليئا بالطاقة والقوة، تغمره السعادة
وهو يقف على خشبته يواجه الجمهور, وينسى كل شىء ويتقمص الشخصية وتكون قمة نشوته عند
سماع تصفيق الجمهور له فى نهاية العرض.
أضاف الكاتب شخصيات نسائية مميزة من كلاسكيات المسرح العالمي مثل: "الليدى
ماكبث" المرأة القوية المتسلطة لشكسبير، و "ميديا" المرأة الماهرة ليوربيدس،
بالإضافة إلى نماذج نسائية جديدة كالطفلة "نعمة"، تلك الفتاة القروية الساذجة،
والمرأة التي تتعرض للإغتصاب الزوجي، ما يعد إضافة تحسب للكاتب الذي إستغل كون البطلة
إمرأة تقدم شخصيات نسائية، ليعكس من خلالها عدة قضايا ومشكلات تعاني منها المرأة
في مجتمعنا.
كذلك ايضا لم يغفل إظهار الحالة النفسية البائسة للممثلة التي تعاني من
الوحدة، فهي لم تحب ولم تتزوج ولم تنجب، ولكنها عاشت هذه المشاعر جميعها على خشبة المسرح،
ومن هنا نجد فكرة الحلم البعيد الذي لم يتحقق إلا في التمثيل، وهو شعور الأمومة وهو
بالطبع شعور غريزى تتمناه أى امرأة.
ونظرا لكون المسرحية تتبع نوعية المونودراما (العرض ذو الممثل
الواحد)، فمن الطبيعي أن يكون العنصر الأساسي للمسرحية هو الأداء التمثيلي، وهو ما
يحسب للمخرج أكرم مصطفى، واختياره للفنانة عايدة فهمى, التي تميزت في التنوع فى تقديم
الشخصيات وسهولة التنقل بين التعبيرات المختلفة لكل شخصية على حدى، فالشخصية الرئيسية
فنانة كبيرة فى السن تتحرك ببطء وبصعوبة، صوتها ضعيف، تعاني من تقوس في الظهر، ثم
تنشط وتتحول فجأة وببراعة وتقوم بتأدية شخصيات مسرحية بمنتهى التفاني والإخلاص والرشاقة
تماما كأول مرة.
ولتكتمل الحالة المسرحية المتميزة، تضافرت عناصر السينوغرافيا المسرحية
مع الأداء التمثيلي، وساعدت المتلقي على الإندماج والشعور بالشفقة والحزن على الممثلة,
لنجد تصميم الديكور والإضاءة لعمرو عبدالله جاء بسيطاً معتمداً على عدد قليل من قطع الديكور "كالشزلونج ومرآة المكياج ومانيكان الملابس"،
فيما جاءت الإضاءة هادئة، حيث إعتمد على بؤر ضوئية تحيط بفريدة.
وكان لموسيقى محمد حمدي، تأثير واضح في التعبير عن معاناة البطلة،
والحالات الشعورية التي تمر بها، ولعل المؤثرات الصوتية الخارجية التي شاركت البطلة في الحوار، كحديثها مع شخصية وهمية
في الهاتف، لتوضح أن البطلة تعاني من الهلاوس، كذلك أصوات المخرج وتصفيق الجمهور،
ساعد على تعزيز فكرة إنفصال البطلة عن الواقع وبشكل لاإرادي في شخصياتها المسرحية,
وهذا يبين لنا كيف أنها منذ بداية مشوارها.
ويعد مكياج روبي مهاب، من أكثر العناصر التي أضافت مصداقية للمراحل
العمرية المتخلفة للشخصيات التي تقدمها فريدة، وأيضا ملابس شيماء عبد العزيز التي
تعد أحد العناصر التي تستوجب الإشادة في العرض.
تعد من أقوى تفاصيل العرض، عندما تضاء خشبة المسرح وتنير كشافاتها، مع
دخول فريدة في بداية العرض وهى تدور بنظرات عينيها كأنها تحتضن هذا المكان الوحيد الذى
يشعرها بكيانها، وتتكررهذه النظرة في نهاية العرض لنجد نظرات شوق وحسرة في عيون الممثلة
عند خروجها عنوة من المسرح وهو يطفيء أنواره رويدا رويدا، في إشارة إلى إنطفاء روحها
أيضا.
عرض فريدة، ينم عن مخرج ذو قدرات إبداعية واعية، قادر على التحكم
والإلمام بكافة أدواته التي أستخدمها ببساطة وإتقان، وتشهد فريدة على قدرات
تمثيلية كبيرة وقوية للفنانة عايدة فهمي، التي أعطت فريدة الفرصة لتظهر مأساتها
للجمهور، وهو ما يستوجب الإشادة والتحية لكافة عناصر ذلك العرض المبدع الذي يمكن
تسميتها بمونودراما فريدة الإبداع.