كتبت : مروة أحمد
تصوير: احمد فرحات
ظهرت الحداثة كمصطلح فى العصر الحديث كرد فعل ضد مختلف أشكال السلطة السائدة
بما فيها سلطة الأيدلوجيا، وتمخضت من تلك الإزاحة
قوى وسلطات جديدة على الساحة، تكون وتيرة الحياة من خلالها سريعة ومتصارعة فى
آن واحدة، يرتفع فيها قدر الآلة وتؤصل جماليتها باعتبارها إمتدادًا لليد الإنسانية،
ليسود عصر التكنولوجيا والإنتاج الإقتصادى الباهظ، وتحتل قيم جديدة توجه الذوق العام
كالدقة والإقتصاد وغيرها، ومن هنا يصبح الإنسان ترسًا فى آلة لا تمل من الضجيج.
وعندما اجتاحت الحداثة مجالات الفنون بأشكالها المختلفة، كانت تتنصل من
التلويح بالشعارات كما هو سائد، لتجسيد الحداثة عبر رؤية مستنيرة، تستدعى دقة الفهم
وعمق التجربة مع قدرة فائقة على ترجمتها على صعيد الإبداع والنقد، كان الإنسان الحداثى
يعتقد أن الحداثة ستأتى بالخير الوفير، فالسعى وراء التنمية والإصلاح جعل الإنسان نمطًا
مكررًا فى ظل مجتمع لا يعترف إلا بالمادة، لتضيع هوية الفرد وتنسحق ذاتيته تحت وطأة
الأفكار الحداثوية.
ومن خلال تلك المقدمة الدسمة نستطيع الحديث عن العرض المسرحي " الخراتيت"
والذي قدمته كلية زراعة جامعة المنصورة، على خشبة مسرح وزارة الشباب والرياضة، ضمن
عروض مهرجان إبداع فى موسمه التاسع ، والذي يناقش فيه قيمة الفرد وانسحاق ذاتيته وقيمته
في ظل ما يشهده المجتمع من إنهيارات على كافة المستويات سواء كانت الإجتماعية أو السياسية
أو الإقتصادية كإحدى تداعيات الحداثة المزعومة.
فى البداية نلاحظ أن العرض المسرحى جاء اسمه"الخراتيت" بينما"يونسكو"
جاءت مسرحيته تحت اسم" الخرتيت" والتى كتبها فى عام 1959، وكان أول عرض مسرحي
لها في عام 1960 ، تعود هذه المسرحية إلى المسرح العبثى من خلال ثلاث فصول، حيث تدور
أحداثها فى بلدة فرنسية محلية صغيرة، يتحول فيها سكانها إلى خراتيت فيما عدا بطل المسرحية
(بيرنجيه) الذي يحاول ألا ينساق وراء القطيع ويخلق هويته الخاصة حتى وإن تحول كل من
حوله إلى خراتيت، جاءت مسرحية يونسكو بمثانقدًا لاذعًا للتصاعد المفاجئ للشيوعية، الفاشية،
والنازية، وأخيرًا الحرب العالمية الثانية بجميع مآلاتها التى أظهرت الوجه القبيح للتكنولوجيا
وكشرت عن أنيابها لتهدر مئات الأرواح عبثًا، بينما المخرج محمد فرج، استخدم الإسم فى
صيغة الجمع "الخراتيت"، لينتقل من مرحلة الحداثة إلى ما بعد الحداثة، فبينما
ينتقد "يونسكو" الشيوعية وغيرها في ذلك الوقت، ظهرت الآن على الساحة مئات
الأقنعة التى أهدرت قيمة الفرد كالرأسمالية المتوحشة التى أرهقت كاهل الفرد، وكما هو
معروف أن مصطلح ما بعد الحداثة جاء لينتقد ما آل إليه العالم فى ظل الحداثة وخاصة فى
مجال الفكر والأدب والفنون حيث الحركة المقيدة للفرد داخل المجتمع.
اتسم العرض المسرحي إعداد وإخراج محمد فرج، بالتكثيف الشديد حيث لم يستغرق
أكثر من ساعة ومع ذلك لم يفرغ النص الأصلى من محتواه أو فكرته الأصلية، بل تم التعبير
عنها بمنطقية شديدة فى ظل جنون العصر وما نشهده من تقلبات سياسية واجتماعية واقتصادية
أًصبحت بدروها عبئًا كبيرًا على الإنسان، ايضا نجد الحرص على استخدام اللغة العربية
الفصحى بطريقة سليمة ودقيقة، وهو الامر الذي تفتقده الكثير من العروض المسرحية الحالية،
ويأتي التكثيف من خلال الاستعراض فقد جاء التأليف الموسيقى والألحان ل رفيق يوسف، والغناء
لكل من رفيق يوسف وأحمد أدهم، وأشعار محمد فوزى، عبارة عن ملخص سلس لما يتناوله العرض،
فنجد استعراضين احدهما يشرح المشكلة والآخر يضع حلاً قاطعًا لها بعدم الإستسلام مهما
كانت العواقب.
ويأتي الاداء التمثيلي في صورة لا تقل وعي وانضباط فني عن باقي عناصر
العرض، فقد حاول الممثلون تقديم أفضل أداءاتهم، فجاء ابرزهم ماجد لطفى (بيرنجيه) ومحمد
صلاح(جان) فى أداء أدوارهم، كذلك كل من أحمد عبدالله ، عمر محمد، أسامة فضل، وحسام
ابراهيم، وكان الحضور النسائي لافتًا بإتقان لكل من ميرنا صبري، و اميرة الشنبهابى،
والتي شهدت شخصيتها عدة تحولات استطاعت أن تُمسك بخيوط الشخصية دون إخلال، و سامرين
سامح، التي لم يتخطى مشهدها أكثر من دقيقة ولكنها استطاعت أن تحوز على إعجاب المتفرج
كذلك سيدة القطة هالة الغريب، التى كانت صوت ضمير الإنسانية الغائب.
جاء ديكور محمد طلعت، معبرا عن الفكرة التي يتناولها العرض في صورة رمزية بسيطة، فباستخدام القطع الخشبية نجد الأحداث تدور داخل حديقة حيوان والإنسان مازال حبيس القفص الذى ألزمته به إغراءات الرأسمالية، وتأتي أزياء شيماء سليم، معبرة عن صفة الروتين القاتل فالجميع يرتدى زيًا رسميًا حيث البدلة الكاملة ورابطة العنق التي تعيق حرية الإنسان، وتكمل اكسسورات محمد سعد، والمكياج البسيط صورة ذلك الإنسان المقيد في هذه الحياة، وساعدت إضاءة عز حلمي، على بروز الحالة النفسية ووصول المشاهد لحالة التماهى مع العرض، حيث اختيار الإضاءة ذات الألوان النارية لتدلل على حالة الصراع والجلبة التى تثيرها الخراتيت، واستخدام الإضاءة الخافتة عند وقوع أحد الشخصيات فى ظلمة إختيارها كشخصية جان ثم ديزى بعد أن قررت أن تنضم للطبيعة الأم بعد أن كانت تنحاز للقيم الأخلاقية التى يجب أن تنطلى عليها أفعال البشر
لنجد أننا أمام حالة من التضافر لكافة عناصر العرض انتجت صورة مسرحية تمتاز بالانضباط والدقة الفنية، لتعبر عن مخرج يمتلك ادواته بحرفية ووعي منضبط، قادر على تقديم عرض خارج المعتاد، ومناقشة قضية فكرية مهمة في صورة تبرز قوة ووعى المخرج وصناع العرض، لتستمر جامعة المنصورة في تقديم عروض فنية قيمة ومتميزة.



